محمد أبو زهرة

1703

زهرة التفاسير

وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ هذا بيان لما كان ينبغي ، والمعنى : لو ثبت لهم أنهم قالوا سمعنا الحق واتبعناه ، وكلام الرسول وأطعناه ، ولو قالوا للرسول اسمع إجابتنا دعوة الحق ، وانظر إلينا نظرة إقبال وعطف ورعاية من غير أن يلووا ألسنتهم ، ويحرفوا القول عن موضعه ، وما يدل عليه بظاهره ، لكان ذلك خيرا لهم ؛ إذ يفتح باب الهداية في قلوبهم ولا يطمس عليها ، ولا يكون ذلك الخزي والذل في الدنيا ، أدامه الله تعالى عليهم وبدلهم من أمنهم خوفا ، إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ، ولكان ذلك خيرا لهم وَأَقْوَمَ أي كان هذا هو الأمر القويم الذي يجب أن يسلكه العقلاء طلاب الهداية . وأفعل التفضيل ليس على بابه ، ومعناه أن يكونوا بلغوا من الاستقامة أقصاه ، ولكنهم ضلوا ضلالا بعيدا ، ولذلك قال سبحانه : وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا استدراك مما كان ينبغي لهم ، أي أنهم لم يفعلوا ما ينبغي ؛ لأن الله تعالى لعنهم بأن طردهم من رحمته ، فبعدوا عن الهداية بسبب إصرارهم على الكفر ، وهم بذلك دخلوا في الكفر بإرادتهم ، وأوغلوا فيه حتى صار الكفر بالنبوات ديدنهم ، فغلقت أبواب الحق عليهم وطمس الله على بصائرهم ، فلم تر الحق ولم تذعن له ، فلا يؤمنون ، أي ليس الإيمان من شأنهم بعد أن كان منهم ما كان ، ولكن الله تعالى بعدله وحكمته لا ينفى الإيمان عنهم نفيا مطلقا ، بل يقرر أن منهم من يؤمن ، ولكنه عدد قليل ، ولذا قال سبحانه وتعالى : فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي إلا عددا قليلا لا يدخل في عموم اللعنة التي كتبها الله تعالى عليهم في جملتهم ، وهذا كقوله في آية : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ( 66 ) [ المائدة ] - هدانا الله تعالى إلى الحق .